يمثل التشريع الخاص بالأحوال الشخصية في أي دولة اختباراً أساسياً لمدى قرب هذه الدولة أو بعدها عن المدنية الحديثة، والتي لا ترتبط بفكرة الديمقراطية بالضرورة، وإنما تعبر عن انتقال المجتمع من الحالة "البدائية" (primordial)، حيث تعتمد العلاقات بين أفراده، وبشكل رئيسي، على الولاءات الأولية الموروثة، والاضطرارية غالبًا، إلى مرحلة "الحداثة" (modernity)، حيث تراجع الولاءات الأولية للارتباط بين أفراده، لصالح أشكال حديثة من العلاقات القائمة على الدور أو الوظيفة التي يؤديها الفرد في المجتمع. ومع صعود فكرة الأدوار الاجتماعية في ظل مجتمعات تزدادا تعقيدًا وتشابكًا، بسبب توسع النشاط الإنساني، تزداد مساحة الاختيار المتاحة للفرد، بعد تحرره من عبء الولاء الموروث. مع هذا التطور والتعقيد، تنتقل المجتمعات من الاعتماد على العرف والتقاليد لتنظيم شؤونها إلى فكرة القانون والأخلاق، التي غالبًا ما تكون وثيقة الصلة بفكرة الدين أو المعتقدات الخاصة بالفرد.
وبالنظر إلى الجدل المحتدم الآن في مصر، حول مشروعي قانوني الأحوال الشخصية، للمسلمين والمسيحيين، بعد إحالة المشروعين المقدمين من الحكومة إلى اللجنة العامة لمجلس النواب، لإقرارهما، يكون من المشروع أن نتساءل، عما إذا كان المشروعان سيكونان لبنة من لبنات بناء دولة مدنية حديثة، من المأمول أن تكون ديمقراطية، أم أنهما يرسخان لوضع تتراجع فيه فكرة المدنية لصالح سطوة المؤسسات الدينية وتوغل رجال الدين في الشأن العام، منطلقين من المادتين الثانية والثالثة في الدستور، اللتين تعطيان للمؤسستين الدينتين الرسميتين، الأزهر والكنيسة الأرثوذكسية، ورجالهما نفوذًا كبيرًا على عملية التشريع، لاسيما فيما يخص قوانين الأحوال الشخصية والأسرة. وينطلق رجال الدين في المؤسستين من نصوص دينية ثابتة، وتفسيرات جامدة لهذه النصوص في التعامل مع واقع معقد ومتغير، وتطورات عالمية ومحلية تمنح أفراد المجتمع مساحة أكبر من حرية الاختيار في كثير من شؤون حياتهم الخاصة والعامة، والتغيرات التي يشهدها العالم في فلسفة التربية، منذ القرن الثامن والتي ارتبطت ارتباطاً وثيقًا بفكرة التنوير والاستنارة.
إن إشاعة الأفكار المستنيرة في المجتمع، والتي كانت سمة أساسية لعصر التنوير الذي ساد في أوروبا في القرن الثامن عشر، كان مقدمة ضرورية لانتقال تلك المجتمعات إلى الحداثة، وما فتحته من آفاق أمام التقدم الإنساني الذي يرتكز على قيم الحرية والمساواة، كأساس للكرامة الإنسانية، ويفتح المجال للمعرفة العلمية التي تنحي الخرافات جانبًا، وتحرر الإنسان من وصاية رجال الدين ورجال السياسة، الذين لا هم لهم سوى الإبقاء على سيطرتهم. واللافت للنظر أن مفهوم التنوير، كما قدمه مقالان شهيران منشوران في مجلة برلين الشهرية، في عام 1784، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالموقف من مسألة الزواج المدني. فالمقالان اللذان يحملان عنوان "ما التنوير؟"، لكل من الفيلسوف اليهودي الألماني موسى مندلسون، رائد حركة "التنوير اليهودية"، والفيلسوف الألماني، إيمانويل كانط، رائد التفكير النقدي، جاء ردا على سؤال طرحه قس بروتستانتي، متهكماً، في سياق دفاعه عن "الزواج الديني"، ضد المنادين بالزواج المدني والاستغناء عن بركة الكنيسة، باسم التنوير.
تشريعات الأسرة والردة عن التحديث
بعد مرور أكثر من قرنين، لا يزال مشروع التنوير في المجتمعات العربية والإسلامية يواجه أزمة تمنع هذه المجتمعات من الانتقال إلى مرحلة الحداثة. ورغم ما شهدته تلك المجتمعات من مشاريع للتحديث بقيادة الدولة، على مدى عقود، لا يزال سؤال التنوير إشكالية في العالم العربي، حتى بعد انتفاضات عام 2011، التي انتهى معظمها إلى ما يشبه الردة عن مشاريع التحديث في كثير من البلدان العربية. لكن هذا السؤال يأتي في لحظة تراجعت فيها الدولة عن قيادة عملية التحديث في سياق تنصلها من مسؤولياتها، الأمر الذي يدفع هذه المجتمعات إلى ردة عن التحديث وتحالف السلطة السياسية التي تستمد شرعيتها من الدين، مع المؤسسات الدينية والثقافة التقليدية المحافظة في المجتمع، من أجل السيطرة على المجتمع وقمع المطالب الشعبية بالحرية والمساواة. في هذا السياق تتحول قوانين الأحوال الشخصية إلى وسيلة للتحكم في الحياة الشخصية للمواطنين يكمل السيطرة على المجال العام. وتبتعد الفلسفة الحاكمة للتشريع عن فكرة حرية المواطنين وحقوقهم، لصالح فكرة الضبط الاجتماعي، وتقييد تلك الحريات، حتى في نطاق الأسرة والمجال الخاص، ولا يكون الغرض الأساسي من إصلاح تشريعات الأسرة حل المشكلات التي ثارت والتي تعجز القوانين السابقة عن حلها، وإنما آلية أساسية لحل مشكلة المؤسسات الدينية مع المواطنين، ورفض الاعتماد على الوسائل والأدوات الحديثة في قضايا مثل إثبات النسب لصالح تفسيرات جامدة، وجزئية على الأغلب للنصوص الدينية.
لعل المثل الأبرز على ذلك التراجع، هو إعلان المستشار مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، بين عامي 2011 و2012، أول سلطة تنفيذية بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي، إلغاء قانون حظر تعدد الزوجات الذي كان سارياً في ليبيا، خلال خطاب إعلان التحرير في بنغازي في أكتوبر 2011، والذي جرى تتويجه رسمياً في عام 2013، حينما قضت المحكمة العليا الليبية بإسقاط القيود القانونية المفروضة على الزواج الثاني، تماشياً مع أحكام الشريعة الإسلامية التي تجيز للرجل الجمع بين أربع زوجات. تعدد الزوجات ليس شائعًا في بلدان المغرب العربي، المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، حيث يسود المذهب المالكي، وهو من المذاهب الأربعة الكبرى لدى المسلمين السنة. ويسود الاعتقاد لدى المسلمين بأن حظر تعدد الزوجات أو تقييده بالقانون، هو تعطيل للشريعة، فيما تختلف التفسيرات بخصوص مبررات هذا التقييد. ووفق للشرائع المسيحية، فإن تعدد الزوجات مرفوض تماماً. وفيما يبيح الإسلام بمذاهبه المختلفة الطلاق، يحرمه المذهب الكاثوليكي تماماً، إعمالاً لتعاليم المسيح التي تقول، "إن ما يجمعه لا يفرقه البشر"، فيما تفرض عليه الأرثوذكسية والكنائس البروتستانتية قيودا متباينة. وكثير من المشكلات المتعلقة بالممارسات ناجم عن تفسيرات ضيقة ومحدودة للنصوص والتعاليم الدينية.
الزواج باعتباره الوسيلة الأساسية الشرعية لممارسة العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة، وللتكاثر والإنجاب وتكوين الأسرة، محكوم بالمعتقدات الدينية، التي تلعب دوراً أساسياً في تنظيم العلاقة بين الزوج وزوجته وأبنائهما، وأن التزام الزوجين والأبناء بهذه التعاليم قائم طالما كان الزواج مستقراً، وتكون المساحة المتاحة للضمير الشخصي والالتزام الأخلاقي للزوجين هي الأساس والمرجع، لاسيما وأن العلاقات داخل الأسرة تقوم على المحبة والود والرحمة والعدل والإنصاف والإحسان والتعاون، وهي مبادئ تسمح بتوجيه الاهتمام ومنح الأولوية لمن يحتاجها وبقدر ما يحتاجها. ويلعب الوازع الديني دوراً رئيسيا في تدعيم هذه المبادئ وترسيخها، خصوصاً، كلما كان الزوجان متفقين على أن الغاية الأساسية من الزواج، هي تربية الأبناء وضمان مستقبل آمن لهم، وبذل كل ما يمكن من جهد في هذا السبيل. لكن الأمر ينقلب تماماً، إذا ثارت خلافات بين الزوجين. ففي هذه الحالة قد تصطدم القيم والمبادئ مع الواقع ومرارته، وقد لا يكون التقيد بالوازع الديني مؤكداً، خصوصاً إذا احتدم النزاع بين الزوج والزوجة، وتحول الأبناء، لاسيما الأطفال في سن الحضانة، إلى أوراق ضغط في الحرب بين الشريكين المتخاصمين، ويجرى التنكر لمبدأ "المصلحة الفضلى للطفل"، الذي رسخته اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، ليصبح مبدأ قانونياً وحقوقياً دولياً، لضمان أن تحظى مصالح الطفل بالأولوية في أي قرار أو إجراء أو تشريع يمس حياته، ليحمي حقوق الصغار في جميع الظروف.
الزواج بين القضاء الشرعي والقضاء المدني
الأصل في عقد الزواج، في جميع الشرائع والقوانين، هو القبول والرضا، بين طرفي العلاقة، ويضيف الشرع شرطي الشهود والإشهار، وتضيف الدولة الحديثة شرط عقد الزواج الموثق. ومن المفترض أن يقوم شرط القبول والرضا على أساس من الإرادة الحرة والمستنيرة لطرفي العقد، عير أن الأعراف الاجتماعية تتدخل على نحو لا يضمن، في كثير من الأحيان تحقق هذه الإرادة الحرة. فالإرادة الحرة لطرفي عقد الزواج، مقيدة غالباً بتأثير الاعتبارات الدينية، وما تقرره من شروط وأحكام، والأوضاع الاجتماعية وما تفرضه من تصورات بخصوص الأدوار الاجتماعية المنتظرة من الرجل ومن المرأة، كما تتأثر غالبا بالظروف الاقتصادية وما تفرضه من قيود. هذه القيود لا تؤثر فقط على إبرام عقد الزواج، وما قد ينشأ عنه من آثار والتزامات، لكنها تمتد، وربما بشكل أكثر قسوة، إلى فسخ هذا العقد وانفضاضه.
من وجهة النظر الحديثة، يُنظر إلى الزواج، كعلاقة تعاقدية بين الرجل والمرأة، ويمكن لهما أن يضعا في عقد الاتفاق كل البنود الخاصة باستمرار هذا العقد أو انتهائه، والنص على التزامات وواجبات كل طرف تجاه الطرف الآخر، والتي تؤسس لحقوق طرفي العلاقة وحقوق الأبناء، الذين هم ثمرة أساسية لهذه العلاقة، ويمكن لهما أيضاً الاتفاق على تقاسم الأعباء والتشارك في إدارة الأسرة. والأرجح أنهما سيفعلان ذلك بما لا يخالف معتقداتهما الدينية، وما يؤمنان به، ولا رقيب عليهما في ذلك سوى ضميريهما. وهما أيضاً مجبران على الالتزام بالقوانين واللوائح، وبالأخلاق ومراعاة الآداب العامة المتعارف عليها في المجتمع والمقبولة في المجتمع، فلا يمكن لهما إنشاء علاقة بما يخالف القانون وأحكامه أو الآداب العامة. لكنهما أيضا مقيدان بالأعراف الاجتماعية التي يمكن أن تتغير بتطور المجتمع. هنا يثور سؤال حول الفلسفة العامة لقانون الأحوال الشخصية في مصر، والتي تقوم على فكرة أن النفقة على الرجل مقابل المتعة الجنسية التي تقدمها المرأة، حيث يرد في نص القانون "حين تسلم المرأة نفسها"، ومدى توافق هذه الفلسفة مع التطورات الاجتماعية مع خروج المرأة للعمل والكشف وتطور مفهوم المساواة والشراكة بين المرأة والرجل. إن هذه الفلسفة تحول قانون الأحوال الشخصية، إلى نزاع بين المرأة والرجل، في حين أن التشريعين المقترحين يحولان هذه العلاقة إلى نزاع بين المواطنين والمؤسسة الدينية، كما هو الحال بين الكنيسة ورعاياه بسبب الموقف من الطلاق والتصريح بالزواج الثاني. والتشريع المقترح لا يوسع من سلطة الدولة عبر القضاء المدني، في مواجهة السلطة الدينية ممثلة في الأزهر والكنيسة.
إن القضاء الحديث، الذي يحكم في النزاعات التي قد تنشأ بين المواطنين، بموجب تشريعات صادرة عن هيئات مدنية، ركيزة أساسية من ركائز الدولة المدنية. ولم تكن قضايا الأحوال الشخصية والأسرة، بما في ذلك قضايا المواريث، تخضع في كثير من الأمور لولاية القضاء المدني، وإنما كان تتولاها المحاكم الشرعية، بالنسبة للمسلمين، والقضاء الملي الذي ينظمها لوائح خاصة لغير المسلمين، من مسيحيين ويهود وبهائيين وغيرهم من الملل. ظل الوضع هكذا، منذ نشأة القضاء في مصر، حتى سبتمبر 1955، حين ألغيت المحاكم الشرعية والمجالس الملية بقرار من حكومة الثورة، وإحالة دعاوى الأحوال الشخصية والوقف إلى المحاكم المدنية، في خطوة اعتبرتها جماعة الإخوان المسلمين والدوائر الدينية المحافظة مؤامرة من قبل الرئيس جمال عبد الناصر، على الدين، خصوصا بسبب الملابسات التي صاحبت هذه الخطوة. ووصف شيخ الأزهر في ذلك الوقت هذا القرار بالخطوة التحررية.
رحب المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتاب "ثورة 23 يوليو" بهذه الخطوة، مشيراً إلى أن الأصل في الدولة الحديثة هو خضوع جميع السكان، "على اختلاف جنسياتهم وأديانهم لقوانين البلاد ومحاكمها، ولجهة قضائية واحدة بصرف النظر عن نوع المسائل التي ى تتناولها خصوماتهم، أو القوانين التي تطبق عليهم" واعتبرت قضايا الأحوال الشخصية، في ظل المحاكم الشرعية استثناء من هذه القاعدة، إذ خضع المصريون لمحاكم متعددة، تطبق كل منها قوانينها، وتتبع إجراءاتها الخاصة، ولا تخضع لإشراف أي هيئة عليا. ويرى الرافعي أن هذا الوضع أدى إلى الفوضى والإضرار بالمتقاضين، نتيجة توسيع دائرة اختصاص هذه المحاكم والاعتداء على سلطة غيرها، والتنازع فيما بينها، وتعدد الأحكام التي تصدر في النزاع الواحد. لكن لم يحدث إصلاح تشريعي مواكب لهذه الخطوة، إذ ظلت الدوائر التي تنظر في قضايا الأحوال الشخصية والأسرة تستند إلى تشريع عام خاص بالمسلمين يستند إلى مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، فيما كان القضاة يرجعون للائحة عام 1938، فيما يخص قضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين الأرثوذكس وتطبيق اللوائح الكنسية لبقية الطوائف، وأصبحت الطوائف التي لا تعترف بها الدولة، أو تراجعت عن الاعتراف بها، مثل البهائيين، في وضع صعب.
كانت أحكام لائحة 1938 تطبق على المسيحيين الأرثوذكس في مسألة الطلاق في حالة اتحاد الزوجين في الملة، ولم تكن هناك أزمة فيما يخص طلاق الأقباط الأرثوذكس إلى أن تم، مع تولي البابا شنودة الثالث، تقييد أسباب طلاق التي كانت المادة 38 من هذه اللائحة تُجيزها، وحصر سبب الطلاق في علة الزنا، وترتب على ذلك أزمة فيما يخص طلاق الأقباط ورفض التصريح بالزواج الثاني، لمن حصلوا على أحكام قضائية بالطلاق، حيث تسري أحكام القانون العام الإسلامي على المسيحيين في حالة اختلاف الملة، وازدادت الأزمة بعد تضييق الاعتراف بالزواج المدني بين المصريين، الموثق في الشهر العقاري أمام المحاكم المصرية في الأوراق الثبوتية في الأحوال المدنية، والاعتداد بعقود الزواج التي تخضع للمؤسسة الدينية، الأوقاف والكنيسة. وبينما كان نص المادة الثانية في دستور عام 1971، والذي جرى تعديله في عام 1976، ليصبح الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، يشكل انتقاصاً من حقوق المواطنة ومدنية الدولة، إلا أن العلاج الذي استحدثه دستور 2014، بإضافة المادة الثالثة التي تنص على أن "مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية"، زاد الأمر تعقيداً ويهدد فكرة المواطنة والدستور في مقتل، إذ أنها وضعت الأساس لضرب فكرة القانون العام الموحد في مسائل الأحوال الشخصية. وبموجب هذه المادة أصبحت الفقرة الاولي من نص المادة 875 من القانون المدني، الخاصة بالميراث، والتي كانت تنظم أنصبة المسيحيين في التركة وفق أحكام الشريعة الإسلامية، لاغية، وكذلك الفقرة 2 من القانون 1 لسنة 2000، والتي تنص على عدم مخالفة "النظام العام" عند الاحتكام للشرائع المسيحية، بموجب المادة الأولى من القانون 25 لسنة 1944، التي تنص على أن "تطبيق التشريعات المنظمة لأحوال غير المسلمين اصبحت نظاما عاماً ".
إصلاح القانون المدني بين الأخلاق والدين
ثمة مشكلات كثيرة في قانون الأحوال الشخصية المصري، المستند إلى مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، والتي لم يحلها تفسير المحكمة الدستورية العليا للمادة الثانية، والتي ستواجه صعوبة أكبر فيما يخص المقصود بشرائع المسيحيين واليهود المنصوص عليها في المادة الثالثة، في حالة الطعن بعدم دستورية أي من بنود مشروع قانون الأحوال الشخصية المقدم من الحكومة والتي يتوقع كثير من الخبراء القانونيين الطعن على كثير منها، على الرغم من الجهود التي بذلتها الدولة، ممثلة في وزارة العدل بالتعاون مع ممثلي الكنائس المصرية، لاسيما الكنيسة الأرثوذكسية، من أجل الاتفاق على "مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد"، والذي سيكون المرجع الأساسي لتنظيم الخطبة والزواج والتطليق والبطلان والحضانة والمواريث. بالنسبة للمسيحيين. وهناك مؤشرات فيما يخص مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، خصوصاً في ضوء التحفظ الذي أبداه الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر، الذي قال إنه لم يجر عرض مشروع القانون على الأزهر وعلمائه، لإبداء الرأي فيه والتأكد من عدم مخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية، وخروج كثير من الأصوات المحافظة لمهاجمة مشروع القانون، بزعم أنه جاء استجابة لإملاءات خارجية.
لقد انشغلت مؤسسات المجتمع المدني الحكومية والقومية، لاسيما المجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للأمومة والطفولة والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وكذلك وغير الحكومية المعنية بحقوق المرأة والحقوق المدنية والشخصية، بتعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي يتنقص من حقوق المرأة ولا يعطي الاهتمام اللازم والواجب بحقوق الطفل ومصلحته الفضلى. وتندرج هذه الجهود في سياق تحقيق التزام الحكومة المصرية بالمواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة والطفل والأقليات وحقوق الإنسان. وتلتزم هذه المنظمات في عملها بالتحفظات التي أوردتها الحكومة المصرية عن التوقيع على هذه الاتفاقيات، التي أكدت معارضتها لأي بنود تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. لكن هناك الكثير من الممارسات التي تجور على حقوق المرأة تمارس باسم الشريعة والدين والعرف الاجتماعي، والتي تلحق الضرر بالمركز القانوني للمرأة، والتي جرى تقنينها من خلال قانون الأحوال الشخصية.
هذا الوضع سيظل، على ما يبدو، يفرض قيوداً على أي محاولة لإصلاح قوانين الأحوال الشخصية في مصر، ومن المتوقع أن يزداد الوضع سوءا في ظل عدم قدرة المجتمع ونخبته المدنية على إصدار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية أو الأسرة ينظر إلى المصريين باعتبارهم مواطنين لديهم حقوق متساوية أولاً، ولا يميز بينهم على أساس النوع أو الدين ثانياً، رغم الإقرار بوجود تطابق في نسبة قد تزيد على 75 بالمئة من بنود مشروعي القانونين. إن هذا الوضع لا يهدد فقط فكرة المواطنة، وإنما يوجه ضربة لفكرة القانون العام والقضاء الموحد، الذي يعد الأساس للدولة المدنية الحديثة، وهذه مسألة تستدعي منا التريث والانتباه قد التسرع في تمرير قانونين ستكون لهما تبعات غير محمودة.
-------------------------------------
بقلم: أشرف راضي






